عاجل

حين تتحول البيوت القديمة إلى وجهة.. تفاصيل المشروع الذي أعاد الحياة لحي سمحان

محمد توفيق

2026-10-10 | 10:36 ص

تابعنا على تويتر للحصول على أخر الاخبار

يستعيد حي سمحان في الدرعية جانباً من ذاكرة المجتمع السعودي من خلال البيوت النجدية القديمة والأزقة التي ارتبطت بحياة السكان لسنوات، فيما أعاد مشروع السمحانية توظيف عدد من المباني التراثية وتحويلها إلى وجهة تجمع المطاعم والمقاهي والحرف والتجارب الثقافية، لتستمر تفاصيل الحي في الظهور ضمن استخدامات معاصرة تحافظ على ملامحه العمرانية.

بيوت تحفظ الذاكرة

يحتفظ حي سمحان بتفاصيل العمارة النجدية التقليدية التي ارتبطت ببيئة الدرعية وطبيعة الحياة فيها، وتضم البيوت القديمة مساحات وأفنية وممرات كانت شاهدة على تفاصيل الحياة اليومية، من ألعاب الأطفال في الأحواش إلى مجالس الجيران والأعراس التي كانت تجمع العائلات، إضافة إلى ليالي الصيف التي اعتاد السكان قضاءها فوق الأسطح.

وتستعيد حفيدة محمد بن عيد المحبوب جانباً من طفولتها في الحي، حيث عاشت فترة مع جدها وجدتها قبل انتقالها مع والدها إلى الرياض، وتتذكر تجمع الأطفال في حوش المنزل خلال ساعات العصر لممارسة ألعاب شعبية مثل الخطّة والطمرة والديندينة والكيرم، كما تتذكر رحلات نهاية الأسبوع إلى مزارع النخيل القريبة من الدرعية.

وتربط الحفيدة بين ذكريات الدراسة والحياة اليومية في الحي، إذ درست في الدرعية حتى الصف الرابع الابتدائي، وتتذكر أن سيارة الأجرة كانت تُعرف باسم «الإستيشن»، وأن أجرة الرحلة من الدرعية إلى الرياض كانت نصف ريال، كما تحتفظ بذكريات جدها وهو يعتني بالأغنام التي كانت الأسرة تربيها في مساحة صغيرة داخل المنزل عُرفت باسم «حوش الغنم».

وتكشف هذه التفاصيل جانباً من الحياة التي كانت تدور داخل البيوت والأزقة، حيث كانت الخدمات التجارية محدودة، وكان أحد الدكاكين يوفر بعض الاحتياجات مثل الأواني المنزلية والملابس، بينما كانت الأسرة تتوجه إلى الرياض لشراء المواد الغذائية والخضروات وغيرها من المستلزمات، لتبقى هذه التفاصيل جزءاً من ذاكرة السكان الذين عاشوا في الحي.

الجيرة تصنع الحياة

جمعت بيوت حي سمحان بين سكانها من خلال علاقات الجيرة التي تجاوزت حدود المنازل، إذ كانت المناسبات والأعراس تتحول إلى مناسبات يشارك فيها أبناء الحي، ويتعاون الجيران في إعداد الموائد والضيافة واستقبال المدعوين وتقديم الطعام، لتصبح المناسبة مرتبطة بالبيوت المحيطة وليس بالأسرة صاحبة الاحتفال فقط.

وكانت ليالي الصيف تجمع الأهالي فوق أسطح المنازل، حيث تُفرش المفارش قبل موعد النوم لتبرد، ثم يصعد السكان إليها خلال الليل، بينما تتبادل الفتيات الأحاديث مع جاراتهن عبر الأسطح المتجاورة، كما استخدمت الأسر وسائل بسيطة للتعامل مع حرارة الصيف، من بينها تبليل الشراشف بالماء واستخدامها للتغطية والتبريد.

وتحمل البيوت القديمة بذلك تفاصيل تتجاوز شكلها المعماري، فقد احتضنت علاقات الجيرة والأفراح والأحاديث والحياة الأسرية، وتروي حفيدة محمد بن عيد المحبوب أن أهل الحي كانوا يعيشون المناسبات باعتبارها شأناً مشتركاً، وتختصر هذه العلاقة بقولها إنهم كانوا «بيوتاً متعددة ولكن عائلة واحدة».

وتغيرت ملامح الحياة في الحي مع انتقال عدد من العائلات إلى الرياض ومناطق أخرى، فتراجعت الحركة تدريجياً في أجزاء منه، وبقيت البيوت القديمة أمام تحدي الحفاظ عليها وإبقائها مرتبطة بالحياة اليومية، وهو ما ارتبط لاحقاً بفكرة مشروع السمحانية لإعادة توظيف المباني القائمة بدلاً من تركها معزولة عن الاستخدام.

السمحانية تعيد النبض

أعاد مشروع السمحانية توظيف عدداً من البيوت التراثية في حي سمحان، مع الحفاظ على عناصر من طابعها النجدي، وتحويلها إلى مساحات للمطاعم والمقاهي والحرف والأعمال اليدوية والفخار والتجارب الثقافية، لتصبح الممرات والساحات جزءاً من حركة الزوار واستخداماتهم اليومية.

وأوضح منصور الصعنوني، مؤسس شركة السمحانية للتطوير الحضري، أن المشروع انطلق من الحاجة إلى إعادة الحياة إلى المكان الموجود بالفعل، مع الحفاظ على علاقته بتاريخ الدرعية وأهلها، مشيراً إلى أن الفكرة لم تعتمد على بناء وجهة جديدة بدلاً من الحي القديم، وإنما على إعادة استخدام البيوت والممرات القائمة ضمن وظائف معاصرة.

وتعتمد تجربة السمحانية على التأقلم مع المكان والحفاظ على ملامحه المعمارية، مع تنفيذ أعمال الترميم والتطوير بالتنسيق مع الجهات التنظيمية والمختصين، كما شملت إعادة تفعيل الممرات والساحات وتشجيع الحركة والتلاقي، إلى جانب إدخال استخدامات ثقافية واجتماعية واقتصادية أعادت النشاط إلى أجزاء من الحي.

وتستقبل البيوت القديمة اليوم الزوار من خلال تجارب متعددة، تشمل المطاعم والمقاهي والمساحات المرتبطة بالحرف التقليدية والأعمال اليدوية، كما تتيح بعض البيوت التعرف إلى السدو والفخار والزخارف الشعبية والتفاصيل المستوحاة من التراث النجدي، بينما يحتفظ النسيج العمراني للمكان بممراته وأبوابه ونوافذه القديمة.

ويجاور المشروع فندق باب سمحان الذي يستلهم هويته المعمارية من الطراز النجدي، ليقدم تجربة ضيافة ضمن محيط يرتبط بالتراث العمراني للدرعية، فيما تستمر البيوت والممرات في أداء وظائف جديدة تسمح للزائر بالتعامل مع المكان من الداخل بدلاً من الاكتفاء بمشاهدة واجهاته.

وتستعيد السمحانية بذلك جانباً من الحياة داخل حي سمحان من خلال استخدامات جديدة تحافظ على ارتباط المباني بالمجتمع، إذ تتحول البيوت التي كانت مساكن للعائلات إلى أماكن تستقبل الزوار، بينما تبقى عناصر العمارة النجدية والحرف والتفاصيل الشعبية حاضرة داخل التجربة الجديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى